الشيخ محمد رشيد رضا
488
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ ( 83 ) وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ ، وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ * * * أقام اللّه تعالى البرهان من حال المسيح وأمه على بطلان كونه إلها ، وبين ما يشاركان به أشرف البشر من المزية الخاصة ، وما يشاركان به سائر البشر من صفاتهم العامة ، وقفى على ذلك بالتعجيب من بعد التفاوت ما بين قوة الآيات التي حجهم بها ، وشدة انصرافهم عنها ، ثم لقن نبيه حجة أخرى يوردها في سياق الإنكار عليهم وتبكيتهم على عبادة مالا فائدة في عبادته فقال : قُلْ أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً ؟ أي قل أيها الرسول لهؤلاء النصارى وأمثالهم الذين عبدوا غير اللّه : أتعبدون من دون اللّه - أي متجاوزين عبادة اللّه وحده - ما لا يملك لكم ضرا تخشون ان يعاقبكم به إذا تركتم عبادته ، وترجون أن يدفعه عنكم إذا أنتم عبدتموه ، ولا يملك لكم نفعا ترجون ان يجزيكم به إذا عبدتموه ، وتخافون أن يمنعه عنكم إذا كفرتموه ؟ وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ أي والحال ان اللّه تعالى هو السميع لأدعيتكم وسائر أقوالكم ، العليم بحاجاتكم وسائر أحوالكم ، فلا ينبغي لكم ان تدعوا غيره ، ولا أن تعبدوا سواه ولما كان قول النصارى في المسيح من أشد الغلو في الدين ، بتعظيم الأنبياء فوق ما يجب ، وكان ايذاء اليهود له وسعيهم لقتله ، من الغلو في الجمود على تقاليد الدين الصورية ، واتباع الهوى فيه ، وكان هذا الغلو هو الحامل لهم على قتل زكريا ويحيى وشعيبا قال تعالى : * * * يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ ، وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ الغلوّ الإفراط وتجاوز الحد في الأمر - فإذا كان في الدين فهو تجاوز حد الوحي المنزل إلى ما تهوى الأنفس ، كجعل الأنبياء والصالحين أربابا ينفعون ويضرون بسلطة غيبية لهم فوق سنن اللّه